3-3-2018 سيد علي
إذا كان صحيحًا أن إعلام الدولة ليس مطلوبًا منه الربح، فإن الصحيح أيضًا ليس مطلوبًا منه الخسارة وإهدار الأموال؛ خاصة أن إعلام الدولة كان في الماضي يحقق أرباحًا تساعده في التطوير والتوسع؛ لدرجة أن أصبح للدولة نحو٢٣ قناة تليفزيونية و٧٦ قناة إذاعية ترهلت وأصابها الوهن؛ لعدم وجود قيادات مؤهلة للتطوير والإدارة.
ومع الصمت المريب علي النزف المالي المتواصل بات المشهد وكأننا ندعم الفشل ونشجعه بدلا من إيقافه وعلاجه بجدية ورؤية شاملة.
وحين تصل ديون ماسبيرو لأكثر من ٣٢ مليار جنيه فذلك يعادل مديونية بعض الدول وليس مؤسسة إعلامية، ثم إن تلك المديونية هي من أموال التأمينات الاجتماعية وأصحاب المعاشات المودعة في بنك الاستثمار القومي، وكلمة مودعة هي اللفظ المهذب للاستيلاء، وبغض النظر عما حدث فإن الكلام عن الإصلاح أو إعادة الهيكلة مستمر منذ عقدين من الزمان، وهذا الملف مر على نحو خمسة وزراء للتخطيط، ولم يتم إحراز أي تقدم لسبب بسيط أن السلطة - وليس الدولة - ليست لديها رؤية ولا تعرف ماذا تريد من ماسبيرو؛ بدليل هذا الكم من القنوات التي تم شراؤها وتأسيسها من قبل مؤسسات رسمية بعدة ملايين بطريقة موازية لماسبيرو ودون معرفة أهدافها أو المطلوب منها بالرغم من أن أسهل وصفة للمؤسسة الإعلامية الرسمية الناجحة هي أن تكون المتحدث الرسمي لكل مؤسسات الدولة بما فيها أحزاب المعارضة بوصفها الوجه الآخر للنظام.
وأعلم أن كل خبراء الإعلام في مصر يعرفون ذلك، ولكن بعضهم للأسف أصبح ترزيًا وليس خبيرًا في تفصيل ما تطلبه منه السلطة، ولهذا فإن كل ما يحدث لا يزيد على كونه عمليات ترقيع لثوب مهلهل لا يستر أكثر مما يكشف ولولا الـ٤٠ ألف موظف - الذين على قوة ماسبيرو - لتم نسفه منذ زمن طويل والتخلص من هذا العبء الاقتصادي، الذي يمثل نزيفًا شهريًا لا يتوقف؛ وحتى عندما حاولت جهة ما تطوير ماسبيرو افتقدت أي رؤية من الإبداع أو العلم، واختارت أسوأ بداية لتزف للناس التطوير؛ حتى إن الأسبوع الأول للتطوير ذهب البرنامج الرئيسي بإهانة شهداء الشرطة نتيجة الافتكاسات والجهل بالفرق بين العمل في تليفزيون الدولة والعمل عند قناة رجل أعمال، ولهذا طالبت بعض جمعيات المجتمع المدني بمقاطعة البرنامج وماسبيرو بمنطق "أنهم أرادوا يكحلوها فعموها".
ومنذ نصف قرن حاول الرئيس الأمريكي نيكسون في عام ١٩٦٩، تخفيض عجز الموازنة فاتجه لتخفيض الدعم للتليفزيون الحكومي؛ فذهب المذيع روجرز للجنة الاستماع في الكونجرس، وسمحوا له بست دقائق فقط، وخلال كلمة تاريخية منطقية نجح في إقناع اللجنة بأهمية التليفزيون الحكومي؛ بل إنه استطاع زيادة الدعم الحكومي وليس تخفيضه، والمعنى أن خطط التطوير المصرية يتيمة بلا أب وبلا منطق، ولا تتم لوجه الله والوطن؛ ولكن ربما يكون بعضها لأغراض شخصية ووقتية ليس أكثر.
ولو كانت السلطة جادة فعلا في الإصلاح وإعادة الهيكلة وتدعيم إعلامها وإعلام الشعب؛ لاختصته - على الأقل - بالانفرادات التي تصنعها، ولا تذهب للقنوات المنافسة، وتخصها بتلك الانفرادات التي تجلب المشاهدين ومعها الإعلانات.
وأكثر من هذا تجد كبار المسئولين يذهبون ويخصون قنوات رجال الأعمال بأحاديث وأخبار وانفرادات وتجاهل قنوات ماسبيرو، وذهب البعض إلى وجود مؤامرة لتقزيم ماسبيرو للتخلص منه بالبيع؛ سواء مفروشًا أو هده وبيع أرضه بدليل الصمت على عملية الاستنزاف بسرقة الأرشيف الذهبي بكنوزه؛ من دراما وحوارات وأفلام وثائقية لبعض القنوات العربية أو بالصمت على استنزاف ثرواته البشرية من فنيين ومخرجين ومعدين ومذيعين؛ للعمل في قنوات رجال الأعمال، وفِي الوقت نفسه يتقاضون مرتباتهم شهريًا دون أن يحضروا حتى للتوقيع، وما يحدث في ماسبيرو للأسف يحدث في مختلف مؤسسات الدولة الإعلامية وما تبقى من شركات قطاع الأعمال بنفس التدهور ونفس الإيقاع؛ ليستمر نزف المال العام مستمرًا دون أي مبادرات شجاعة وحاسمة؛ على الأقل لوقف هذا النزيف.
No comments:
Post a Comment