Sunday, October 23, 2011

the media in egypt and yosri fouda program

ياسر عبد العزيز  Sun, 23/10/2011 - 08:05
يحلو للكثيرين، فى أعقاب ثورة 25 يناير، تجريد مبارك من المناقب كلها، وإبقاؤه عارياً من أى ميزة أو قدرة، لكن الإنصاف يقتضى القول بغير ذلك، فبعد مرور أكثر من ثمانية شهور على خلعه، لم يزل إيقاعنا مرهوناً بطابعه، ولم تزل طريقته تؤطر ممارساتنا. لقد أودعنا مبارك سريراً/ سجناً، لكننا لم نبرأ من صنائعه بعد، إذ تركنا أسرى ركوده، ومرضى بارتيابه العميق، وأورثنا عدم ثقته فى الآخرين، واستهانته بالمجموع العام، وتفضيله استمرار الأوضاع على ما هى عليه، مهما كانت خطيرة ومخزية، على الأخذ بمبادرة قد تنقلنا إلى وضع أفضل، مهما كانت مدروسة وناجعة.
لم يكن مبارك يطمح يوماً إلى أن يكون زعيماً لدولة بحجم مصر، وربما لم يدرك أبداً مكانتها، ولا حجم الأعباء الملقاة على عاتقها، ولا حاجة من يقودها إلى الخيال والمبادرة واستباق الوقائع بالأفكار الخلاقة وتفادى الاستهداف بالحركة الإيجابية المستمرة إلى الأمام. ليت مبارك انطوى وحده على عيوبه القاتلة، فاحتفظ لنفسه بالتأنى والانتظار والصبر الطويل والتعويل على الزمن، ليته أخذ معه حيله البارعة فى تفكيك المشكلات عبر تركها للزمن، أو تشكيل اللجان غير الفاعلة، أو سحب المبادرات إلى البيروقراطية الديناصورية لتفكيكها وقتلها.
بات مبارك قابعاً فى سجنه/ سريره، يسعى بالكاد إلى نفى التهم عنه، لكن طابعه أصبح منقوشاً على كل جدار فى الدولة، وطريقته واضحة لدى كل صاحب قرار، وأسلوبه يتحكم فى كل نقلة من نقلات حياتنا.. كلام كثير من دون فعل، وضجيج عال بلا طحين، وتبديد للوقت فى تشخيص المشكلات، وطرح الحلول، وتفنيدها، وتسفيه قائليها، أو الإشادة بها، قبل إبداء الأسى لـ«صعوبة تنفيذها»، ثم العودة إلى البداية، فى محاولة دائبة لم تتوقف، منذ اندلاع الثورة، لـ «إعادة اختراع العجلة».
قبل يومين، فوجئنا جميعاً بتعليق الإعلامى الزميل يسرى فودة برنامجه على قناة «أون تى فى»، وهو الأمر الذى فسره برسالة نشرها على موقع «فيس بوك»، استطعت أن أفهم منها أن ضغوطاً مورست عليه من قبل «من بيدهم الأمر فى البلد»، بسبب «التزامه الوطنى والمهنى» خلال أدائه الإعلامى. ليست تلك هى المحاولة الأولى لتدخل «من بيدهم الأمر» بخشونة ضد حرية الإعلام، فقد ظهر ذلك مع قناة «الجزيرة مباشر مصر»، ودينا عبدالرحمن، وريم ماجد، ومع صحف وصحفيين نشروا أخباراً خضعت للرقابة والمنع، ومع مدونين تمت إحالتهم إلى المحاكم العسكرية، بسبب تدوينات بثوها على مواقع التواصل الاجتماعى.
لا يمكن القول بأن الممارسات الإعلامية التى شهدتها مصر بعد ثورة 25 يناير كلها تتحلى بالرشد والالتزام بالقيم والمعايير المهنية، بل إن بعض تلك الممارسات كان غارقاً فى الانحياز والاستهانة بمبادئ العمل الإعلامى الرشيد، لكن الإشكال يكمن فى أن هؤلاء الذين يرتكبون الأخطاء الأكبر والأفدح، لم يتعرضوا لتلك الممارسات الخشنة. كما أن التليفزيون الرسمى، على سبيل المثال، تورط فى أداء إعلامى «غير متوازن وشديد الانحياز والفقر المهنى» عندما تصدى لتغطية أحداث «ماسبيرو» الدامية قبل أسبوعين، لكنه لم يخضع للمساءلة الواجبة، بل إن «من بيدهم الأمر» وصفوا أداءه آنذاك بأنه «محايد».
فى شتاء عام 2008، كنت ضيفاً على الزميلة منى الشاذلى فى «العاشرة مساء» للحديث عن أزمة تغطية حادثة «مقتل هبة ونادين»، حيث ناديت آنذاك بضرورة إنشاء «الهيئة الضابطة للإعلام المصرى»، للحد من الأخطاء الفادحة التى تقع جراء الممارسات الإعلامية الخاطئة، ولحماية حرية الإعلام فى آن.
وفى أكتوبر 2010، كنت ضيفا على الزميل خيرى رمضان فى برنامج «مصر النهارده» نناقش أزمة «غلق القنوات الدينية»، حيث جددت المطالبة ذاتها، شارحاً التجارب المشابهة فى الدول الأخرى، وآليات التنفيذ، والفوائد التى ستعود علينا من إنشاء تلك الهيئة.
وفى 2 أبريل الفائت، كتبت مقالاً فى «المصرى اليوم» تحت عنوان «ماذا نفعل فى الإعلام؟»، شرحت فيه جميع تفصيلات إنشاء تلك الهيئة، وعرضت مسودة قانون لإنشائها، وهو الأمر الذى ألححت عليه مجدداً فى مقال نُشر فى هذه الزاوية تحت عنوان «المجلس الوطنى للإعلام»، فى 25 سبتمبر الماضى، وفى كتاب صدر عن مركز الأهرام للدراسات فى مايو السابق عليه.
ليس «المجلس الوطنى للإعلام» اختراعاً للعجلة، ولا هو بدعة أو ابتكاراً، لكنه الحل الذى تبنته الدول الأكثر رشداً وتنظيماً، لحماية صناعة الإعلام من تغول السلطة وتأمين حريتها وازدهارها من جهة، وحماية المصلحة العامة ومصالح الجمهور من الانفلاتات الإعلامية وأنماط الأداء المسيئة من جهة أخرى.
إذا لم يبادر الإعلاميون المصريون بأخذ مصيرهم بأيديهم، ويجتمعوا لبناء التوافق على إنشاء «المجلس الوطنى للإعلام»، فسيملى عليهم «أصحاب الأمر» قانوناً أو تنظيماً، أو يظلون يعانون التدخلات السلطوية الخشنة، فيما الجمهور يقاسى من انفلاتات بعضهم، فى بلد أطاح بـ«مبارك»، لكنه لم يبرأ من لعناته بعد.



No comments:

Post a Comment